هل يعدنا الله بالصحة والغنى؟ وقفة مع «فخ» إنجيل الرخاء
هل فكرت من قبل في سبب عدم انتهاء شعورنا بالاحتياج؟
ولماذا نركض دائمًا وراء «المزيد»؟ منزل أفضل، وسيارة أحدث، ورصيد أكبر في البنك، وكأننا في سباق لا خط نهاية له.إذا تأملنا بعمق، فسنجد أن القصة بدأت منذ وقت مبكر جدًا، منذ جنة عدن.
خلق الله آدم وحواء في بيئة مثالية؛ مأوى آمنًا، وطعامًا وشرابًا، وعلاقة حيّة معه. لكن «الغواية» استغلت فكرة «المزيد»، ومن هنا دخلت الخطية، وشوّهت في داخلنا غريزة الاحتياج، وحوّلتها إلى «طمع» لا يشبع؛ طمع يجعلنا أحيانًا نكتنز ما في أيدينا، ونحرم الآخرين من احتياجاتهم الأساسية.
تكمن الفكرة هنا في أن الخطية أفسدت حبنا للأشياء، فأصبحنا نبني قيمتنا على ما نمتلكه، لا على مَن نملكه.إذا حلّلنا المشهد المعاصر، فسنجد أن هناك تيارًا انتشر بقوة يُسمّى «إنجيل الرخاء»، وهو في الحقيقة يستغل هذا الجوع الفطري، ويسوّقه باعتباره «مشروعًا تجاريًا» دينيًا.
ويستخدم هؤلاء المعلّمون مصطلحات مثل «قانون الرخاء» أو «بذرة الإيمان»، ويصوّرون علاقتنا مع الله وكأنها «صفقة» تجارية؛ تضع قرشًا فتحصل على عشرة، وتؤمن إيمانًا صحيحًا فتصبح صحتك قوية، ويمتلئ جيبك بالمال.ومن أذكى الحيل التي يمارسونها، وأخطرها، فكرة «باكورات يناير»؛ فتجدهم، في الوقت الذي يخرج فيه الناس من نفقات عيد الميلاد والهدايا والديون، يضغطون عليهم لكي يتبرعوا براتب شهر يناير كاملًا للكنيسة باعتباره «بذرة» للرخاء، وكأن الله «مالك منزل» يتقاضى إيجارًا لكي يبارك الساكن لديه.لكن المنطق اللاهوتي يقول إن الرب يسوع المسيح نفسه وُلد في عائلة فقيرة، وعندما قدّمه أهله في الهيكل، قدّموا «فرخي حمام»، وهذه ذبيحة الفقراء جدًا بحسب الشريعة.
فهل يعني هذا أن الله لم يكن راضيًا عن الرب يسوع المسيح؟ بالتأكيد لا.إن الإيمان الحقيقي ليس وسيلة للهروب من واقع الحياة أو لامتلاك السيارات الفارهة، بل هو علاقة تمنحنا القوة التي نواجه بها هذا الواقع.والرخاء من منظور الله يختلف تمامًا عن تعريفنا الضيق الذي ينحصر في المال والصحة. فإذا فكرنا بهدوء، فسنجد أن الصحة قد تضعف، والمال قد يزول، لكن النجاح الحقيقي هو «معرفة الله». والدليل الكتابي في سفر إرميا (9: 23-24) يضع النقاط على الحروف:
«لاَ يَفْتَخِرَنَّ الْحَكِيمُ بِحِكْمَتِهِ، وَلاَ يَفْتَخِرَنَّ الْجَبَّارُ بِجَبَرُوتِهِ، وَلاَ يَفْتَخِرَنَّ الْغَنِيُّ بِغِنَاهُ. بَلْ بِهذَا لِيَفْتَخِرَنَّ الْمُفْتَخِرُ: بِأَنَّهُ يَفْهَمُ وَيَعْرِفُنِي، أَنِّي أَنَا الرَّبُّ الصَّانِعُ رَحْمَةً وَقَضَاءً وعدلًا فِي الأَرْضِ، لأَنِّي بِهذِهِ أُسَرُّ، يَقُولُ الرَّبُّ»
كذلك هناك مثل «الغني ولعازر» الذي قاله الرب يسوع المسيح، وهذا يهدم فكرة أن الغنى علامة على الرضا، وأن الفقر علامة على الغضب؛ فقد انتهى بالغني المطاف بعيدًا عن الله، بينما كان لعازر المسكين في حضن إبراهيم. إن الله يساند المسكين، وقيمتنا عنده لا ترتبط برصيدنا في البنك، بل بمدى طاعتنا له.
ولكي نفك هذا الفخ تمامًا، علينا أن ننظر إلى الأدلة العقلية في حياة رسل الرب يسوع المسيح أنفسهم. فإذا كان الرخاء المادي والصحي حتميًا لكل مؤمن، فلماذا ظل الرسول بولس يعاني من «شوكة في الجسد»، وطلب الشفاء ثلاث مرات، فقال له الله: «تكفيك نعمتي»؟ ولماذا كان تيموثاوس «كثير الأسقام»، ويحتاج إلى نصائح علاجية؟يقول الواقع إننا نعيش في عالم ساقط، تمرض فيه الأجساد، ويواجه المؤمنون الضيقات والتجارب مثل سائر البشر، وربما أكثر منهم أحيانًا بسبب أمانتهم. ولم يُخفِ الرب يسوع المسيح هذه الحقيقة عندما قال:
«فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ، وَلكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ» (يوحنا 16: 33).
كيف نعيش هذه الحياة بتوازن حقيقي؟
يبدأ الأمر بتغيير «التوجهات القلبية» التي تمس واقعنا اليومي.
أولًا: الامتنان؛ وهو أن نتعلم أن نشكر الله في كل حين، مثل السامري الذي عاد ليشكر الرب يسوع المسيح بعد أن شُفي من البرص، بينما نسي التسعة الآخرون.
ثانيًا: الاكتفاء؛ وهذا لا يعني الاستسلام السلبي أو الضعف، بل يعني «قوة وسكونًا داخليًا» وطمأنينةً بأن الله يهتم بمصلحتي مهما كانت الظروف الخارجية، كما تعلّم بولس أن يكون مكتفيًا في الجوع وفي الشبع.
ثالثًا: السخاء؛ فأغرب ما يمكن أن يكسر سلطة المال على قلبك هو أن تخرجه من يدك،
مثل «طابيثا» التي كانت تخيط الملابس للفقراء، أو المؤمنين الأوائل الذين كانوا يشاركون ممتلكاتهم حتى لا يكون بينهم محتاج. وهذا السخاء هو الذي يجعلنا نشبه الله في كرمه، ويحررنا من «أنانيتنا».في النهاية، نحن بحاجة إلى الاطمئنان إلى حضن «الآب» الذي يحبنا حبًّا غير مشروط. فالآب السماوي الذي يعتني بالعصافير، ويكسو زنابق الحقل جمالًا لا مثيل له، يهتم بالتأكيد بكل تفصيل في حياتك، وصحتك، ونفقاتك.لكن الراحة الحقيقية لا تكمن في غياب الأزمات، بل في حضور الرب يسوع المسيح وسط الأزمة. لقد خُتمت محبته لنا بدمه الذي سُفك على الجلجثة، وهذا أكبر دليل على أننا أعزّاء لديه، بغضّ النظر عن مستوانا المادي. والرب يسوع المسيح يربّت على كتف كل قلب يشعر بالضيق أو الفقر بكلماته التي تمنح رجاءً حقيقيًا.
«طُوبَاكُمْ أَيُّهَا الْمَسَاكِينُ، لأَنَّ لَكُمْ مَلَكُوتَ اللهِ» (لوقا 6: 20).
تبدأ رحلة البحث عن الحقيقة بخطوة، ونحن هنا لنسير فيها معك. والآن، في موقع جذور، ستجد السند الذي يرشدك، والدليل الذي يطمئنك، ومحتوى يلامس عقلك وروحك
.جذور: حيث نعود إلى الأصل لنفهم الحاضر.
ليسَ العِلمُ ما حُفظ، إنما العِلمُ ما نَفَع ولمسَ القلبِ فغيّرَ المَسار.
اقرأ الكتاب من هنا