المحبة: السر الذي يجعل "خمسة ناقص واحد يساوي صفرًا"
هل تشعر أحيانًا أنك تعمل كالآلة؟ تفعل كل شيء "صحيحًا" بالحرف؛ خادم ماهر، وصوتك في التسبيح لا مثيل له، وكلمتك مسموعة في حل المشكلات، ومع ذلك يوجد "فراغ" كبير في قلبك لا يمتلئ؟ لماذا نبذل أحيانًا مجهودًا جبارًا في القيادة والخدمة، ولكننا نشعر في النهاية أننا مجرد "ضجيج" بلا فائدة، كما نقول: "نحاس يطن أو صنج يرن"؟
الحقيقة التي يقدمها لنا كتاب "القيادة بالمحبة" هي أن المشكلة ليست في "المهارة" ولا في "المجهود"، بل في "الروح" التي تحرك هذا المجهود. لو نزعنا المحبة من أي معادلة روحية، فستكون النتيجة دائمًا صفرًا، حتى لو كنت تنقل الجبال.
حسنًا، هذا الكلام جميل نظريًا، ولكن ما الذي يجعلنا نثق به حقًا؟
لنفكر فيها معًا بمنطق "المحقق". الموضوع ليس مجرد كلام إنشائي ولا عواطف، بل هو مبني على وثائق تاريخية ومخطوطات ثابتة ومُسلَّم بها في الكنيسة منذ زمن. عندما كتب الرسول بولس هذا الكلام لكنيسة كورنثوس، لم يكن يكتب قصيدة شعر، بل كان يعالج انقسامات ومشكلات حقيقية كانت تعصف بالكنيسة. فكر بها.. لماذا ظلت هذه الرسالة حية ونثق بها على الرغم من كل ادعاءات "التحريف"؟
يفرض المنطق أن رسالة المحبة هذه "تنسجم تمامًا" مع طبيعة الله التي ظهرت في آلاف المخطوطات القديمة.
قدّم لنا الرسول بولس "معادلة" غريبة تقول: (مواهب الألسنة + النبوة والعلم + الإيمان + العطاء + بذل الجسد للموت) - محبة = صفر.
وهذا يعني ببساطة:
- إن كنت تتحدث بلغات الملائكة وبلاغة لا مثيل لها، ومن دون محبة، فأنت مجرد "ضجيج" يصدع الرأس.
- إن كانت لديك موهبة النبوة وعلم بكل الأسرار، ومن دون محبة، فأنت "لا شيء".
- إن كان إيمانك يحرك الجبال، ومن دون محبة، فأنت أيضًا "لا شيء".
- إن وزعت كل مالك للفقراء (العطاء)، ومن دون محبة، فإنك "لا تنتفع شيئًا".
- حتى إن بلغت التضحية القصوى وبذلت جسدك لكي يحترق (الشهادة)، ومن دون محبة، فليس لذلك قيمة. هذا لأن أصل الأمر يبدأ من قلب الله نفسه، وكما تقول الآية في إنجيل يوحنا:
"لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ."
المحبة هنا ليست مجرد شعور، بل هي "المحرك" الذي جعل الآب يبذل الابن من أجلنا، وهي ذاتها التي يجب أن تحركنا، وإلا فسنكون كمن يبني في الهواء.
ولكي لا يكون الكلام "نظريًا" فحسب، تعالَ لنرى كيف نعيش ذلك في يومنا المزدحم. نتعلم هذا من أشخاص حفروا أسماءهم في تاريخ المحبة، مثل "روبرت تشابمان" الذي كان معروفًا بلقب "جامعة المحبة". لم يكن تشابمان يعيش في "عالم الخيال"، بل كان في قلب صراعات كنسية مريرة، مثل الخلاف المشهور بين "داربي ونيوتن". في الوقت الذي كان فيه القادة من حوله ينقسمون ويأكلون بعضهم بعضًا، اختار تشابمان "الثبات" (Steadfastness).
ثباته في المحبة لم يكن يعني مجرد أنه "رجل طيب"، لا، بل كان "أمينًا" للحق، ومتمسكًا بالوحدة في أوج الضغوط.
نحن أيضًا بحاجة إلى فهم هذه المفاهيم بلغة حياتنا البسيطة:
الفداء (Redemption): يعني ببساطة أن "الله يصلح ما انكسر فينا" بدم الرب يسوع المسيح.
التبرير (Justification): يعني "وكأننا لم نخطئ أصلًا في عيني الله بسبب ما فعله الابن من أجلنا".
القداسة (Holiness): ليس معناها أن تكون معصومًا أو "ملاكًا"، لا، بل معناها ببساطة أن تكون "مخصصًا" لله؛ أي أن قلبك محجوز لله وحده وسط زحام الدنيا والخدمة.
المحبة التي عاشها تشابمان تعلمنا أن نكون صبورين ومترفقين، ليس فقط عندما تكون الأمور هادئة، بل خصوصًا عندما نكون تحت الضغط، لأن "المحبة لا تطلب ما لنفسها".
أما إذا كنت مجروحًا من صورة "القائد القاسي" أو "المسؤول الذي يذل من هم تحته"، أو حتى لو اهتزت صورة الله في عينيك وأصبحت تراه "قاضيًا يحاسبك على كل صغيرة وكبيرة"، فأنت بحاجة إلى أن تكتشف صورة "الأب الحنون" (أب حنون).
هناك قصة تقول إن "هنري مورهاوس" ظل يبشر "مودي" لمدة أسبوع كامل عن آية واحدة فقط (يوحنا 3: 16)، وحينها اكتشف مودي أن الله لا ينتظر ليعاقبه، بل إنه أب يحب إلى درجة البذل. هذه المحبة هي التي تداوي "وجع الصورة" التي انكسرت بداخلنا بسبب القيادة المتسلطة.
انظر إلى الرب يسوع المسيح، "رب المجد" نفسه، وهو يغسل أرجل تلاميذه. تخيل العظمة وهي تنزل إلى الأرض لكي تلمس "قدمين متسختين" بقلب نقي. إنه لا يخاف من "تخبطك" ولا من عيوبك، بل ينزل إليك لكي يرفعك. القيادة الحقيقية هي التي تغسل الأرجل، لا التي تدوس عليها.
هذه المحبة هي "اللمسة الحانية" التي تشفي صدماتنا، وتعيد إلينا الأمان وسط قسوة الدنيا.
المحبة ليست مجرد "كلام جميل"، بل هي "الطريق الأفضل". إنها التي تمنح قيمة لكل "خمسة" تفعلها في حياتك لكي لا تصبح "صفرًا". ابدأ اليوم بخطوة صغيرة: استمع إلى شخص متألم، واستوعب مَن أخطأ في حقك، واجعل محبتك بالعمل والحق.
رحلة البحث عن الحقيقة تبدأ بخطوة، ونحن هنا لكي نمضي فيها معك.. الآن في موقع جذور... ستجد السند الذي يرشدك، والدليل الذي يطمئنك. محتوى يتلامس مع عقلك وروحك..
جذور: حيث نعود إلى الأصل لنفهم الحاضر.
ليسَ العِلمُ ما حُفظ، إنما العِلمُ ما نَفَع ولمسَ القلبِ فغيّرَ المَسار.
اقرأ الكتاب من هنا
/