بيوتنا في قلوبنا أم في السفر؟.. سر الوجع الذي لا ينتهي
الغربة ليست مجرد سفر
ومن وسط هذا الزحام، يوجد 13 مليون طفل يقضون طفولتهم في خيام وملاجئ مؤقتة، بعيدًا عن كل مكان يحبونه.
ولكن إذا نظرنا بعمق، سنجد أن "الغربة" الحقيقية هي حالة من التيه الوجودي؛ إحساس بأننا لسنا في مكاننا الصحيح، وأن "البيت" الذي تشتاق إليه الروح لم نجده بعد.
قصة ملك مغترب في أرضنا
إذا فكرت في الأمر بمنطق تحليلي، فستجد أن قصة التشريد هذه ليست بعيدة عن جوهر الإيمان. فالرب يسوع المسيح نفسه، منذ لحظة ميلاده، اختبر تجربة الغربة بكل قسوتها. وقد اضطرت أسرته إلى الهروب به إلى أرض مصر لتنجو بحياته من بطش ملك كان مرعوبًا من وجوده. والمنطق هنا يفرض سؤالًا: لماذا يهتم ملك بمطاردة طفل؟ الحقيقة التاريخية والروحية تؤكد أن الرب يسوع المسيح لم يكن مجرد طفل عادي، بل هو "الابن الحبيب" وهويته التي هزت عروش الظلم. ويوثق الكتاب المقدس هذه اللحظة في شهادة السماء عنه:
«هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ» (متى 3: 17).
فكر في الأمر.. الملك الذي من المفترض أن يخدمه الجميع، اختار أن يعيش مغتربًا في طفولته، لكي يستطيع في النهاية أن يفتح لنا "خريطة العودة" الحقيقية لمكاننا الأصلي.
المسافة التي تؤلمنا
لكن المنطق يجعلنا نقف أمام سؤال أصعب: لماذا توجد مسافة من الأساس؟ لماذا نشعر أننا بعيدون عن "بيت الآب"؟ الحقيقة التي نحاول تجنبها هي أن هناك فجوة روحية عميقة تسببت فيها أخطاؤنا وتصرفاتنا. نحن بعيدون عن حضن الله القدوس لأن هناك حاجزًا بُني بيننا وبينه، والكتاب يصف هذه الحالة بدقة وموضوعية:
«بَلْ آثَامُكُمْ صَارَتْ فَاصِلَةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِلَهِكُمْ» (إشعياء 59: 2).
الوجع الذي بداخلنا هو نتيجة طبيعية للانفصال عن مصدر الحياة، لأن ثمن هذا البعد وتكلفته قانونيًا هو الهلاك، كما يقول الكتاب: «لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ» (رومية 6: 23أ).
فكيف يمكن لنا كبشر، بكل ضعفنا، أن نجد طريقًا للعودة إلى حضرة الآب الطاهر في بيته؟
طريق الرجوع رحلة مِتأمن
هنا يأتي الحل الذي يجمع بين المحبة والعدل الروحي. الله في حكمته لم يتركنا تائهين في غربتنا، لكنه رسم طريقًا لتجسير هذه الفجوة. الرب يسوع المسيح قدم نفسه كجسر للعبور؛ هو مات على الصليب بإرادته الكاملة، دون أن يرتكب أي جريمة أو خطية، لكي يسدد "الفاتورة" التي عجزنا عن دفعها. يشرح الكتاب هذه العملية بوضوح:
«فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضاً تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ» (1 بطرس 3: 18).
والدليل القاطع على أن هذا الطريق مفتوح ومُؤَمَّن هو قيامته من الموت في اليوم الثالث، فهذه كانت "الوثيقة" التي تثبت أن الموت ليس له سلطان عليه، وأن الرجوع إلى البيت متاح لكل واحد منا: «أَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا» (رومية 6: 23ب).
كيف نبقى ثابتين؟
نحن نتحرك في هذا العالم كمسافرين يعرفون وجهتهم، متمسكين بالوعد الذي يضمن لنا الغفران الكامل والحياة الأبدية، وهذا هو السند الذي يجعلنا نواجه أي اضطهاد أو ضيق بقلب مطمئن.
حضن بلا شروط
في النهاية، الحكاية ليست حكاية بلاد ومطارات، بل هي حكاية قلب يبحث عن سكنه الأصلي. البيت الحقيقي ليس جدرانًا، بل البيت هو شخص "الآب" الذي ينتظر رجوعك.
الرب يسوع المسيح هو الذي يمد يده الآن لكي ينهي غربتك الروحية، وهو الذي يعلن بقوة:
«أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا، وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيّاً وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ. أَتُؤْمِنِينَ بِهذَا؟» (يوحنا 11: 25، 26).
الآن في موقع جذور.... ستجد السند الذي يدلك والدليل الذي يطمئنك.
جذور: حيث نعود للأصل لنفهم الحاضر.
ليسَ العِلمُ ما حُفظ، إنما العِلمُ ما نَفَع ولمسَ القلبِ فغيّرَ المَسار.
اقرأ الكتاب من هنا